أحمد زكي صفوت

17

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

إليه أنه يقول : إن الملك « يعنى النعمان » عامله ، وإنه هو ولّاه ما ولاه ، فلم يزالوا بذلك حتى أضغنوه عليه ، فأرسل إليه : عزمت عليك إلّا زرتنى ، فإني قد اشتقت إلى رؤيتك وعدىّ يومئذ عند كسرى ، فاستأذن كسرى فأذن له ، فلما أتاه لم ينظر إليه حتى حبسه في محبس لا يدخل عليه فيه أحد ، فجعل عدىّ يقول الشعر وهو في السجن « 1 » ، وكان كلما قال شعرا بلغ النعمان وسمعه ، فندم على حبسه إياه ، وجعل يرسل إليه ويعده ويمنّيه ، ويفرق أن يرسله فيبغيه الغوائل . فلما طال سجن عدى كتب إلى أخيه أبىّ وهو مع كسرى بشعر فقال : أبلغ أبيّا على نأيه * ( وهل ينفع المرء ما قد علم ) « 2 » بأن أخاك شقيق الفؤا * د كنت به واثقا ما سلم « 3 » لدى ملك ، موثق بالحديد ، إمّا بحقّ وإما ظلم * فلا أعرفنك كذات الغلا م ما لم تجد عارما تعترم « 4 » * فأرضك أرضك إن تأتنا تنم نومة ليس فيها حلم « 5 »

--> - فقبلوا منه ، وخلا بالنعمان فقال له : إذا سألك هل تكفيني العرب ؟ فقل نعم ! فإذا قال لك : فمن لي بإخوتك فقل له : إن عجزت عنهم فإني عن غيرهم لأعجز ! ) ففعلوا جميعا ما أمرهم به عدى ، فملك كسرى النعمان وكساه وألبسه تاجا . ( 1 ) أورد صاحب الأغانى في هذا الخبر عدة مختارات من قصائد مطولة قالها في سجنه ، ثم عقب عليها بقوله : « هذه رواية الكلبي في قصائد كثيرة كان يقولها فيه ، ويكتب بها إليه ، فلا تغنى عنده شيئا » فارجع إليها إن شئت . ( 2 ) هذا البيت دخله الخرم . ( 3 ) في الطبري « كنت به والها » . ( 4 ) ورد هذا البيت في الأغانى والطبري : فلا أعرفنك كدأب الغلا * م ما لم يجد عارما يعترم وهو تحريف ، والصواب ما ذكرنا ، والتصحيح عن لسان العرب ، وإليك ما جاء فيه « عرم الصبى » أمه ( كنصر ) : زضعها ، واعترم ثديها : مصه ، واعترمت هي : تبغت من يعرمها . قال : ولا تلفين كأم الغلا * م إن لم تجد عارما تعترم يقول : إن لم تجد من ترضعه درت هي ، فحلبت ثديها ، وربما رضعته ثم مجته من فيها . وقال ابن الأعرابي : إنما يقال هذا للمتكلف ما ليس من شأنه ، أراد بذات الغلام : الأم المرضع إن لم تجد من يمص ثديها مصته هي ، قال الأزهري : ومعناه لا تكن كمن يهجو نفسه إذا لم يجد من يهجوه » . وعلق عليه مصححه ، فقال : « قوله : أراد بذات الغلام . . . الخ » هذه عبارة الأزهري لإنشاده له : « كذات الغلام » وأنشده في المحكم : « كأم الغلام . ( 5 ) في الأغانى : « تنم ليلة » .